وتُسعفنا في ذلك دراسة أعّدتها مُنطّمة حُقوقيّة تونسيّة غير مُعترف بها حول من أطلقت عليهم إسم " ضحايا قانون 10 ديسمير 2003 لمُكافحة الإرهاب" حيث إنتقدت الجمعيّة هذا القانون.
ويبدُو من خلالها أنّهم يتوزّعُون جغرافيّا بنسبة 46 % في جهات الشمال، وبنسبة 31 % في وسط البلاد ،وبنسبة 23 % في جهات الجنُوب وذلك على النحو التفصيلي الوارد بالجدول .
كما يتوزّعُون حسب الفئة العُمريّة إلى :
من 19 إلى 24 سنة : ما يُقارب 30 % .
من 25 إلى 30سنة : ما يُقارب 48 %.
من 31 إلى 37 سنة : ما يُقارب 11 %.
والبقيّة تتقاسمها الفئات العمريّة الأخرى .
ويحتلّ ضمن هذه المجمُوعة ،العمّال نسبة 36 % ،بينما يحتلّ الطلبة والتلاميذ نسبة 34 % ، والتجّار نسبة 15 % ، ويتوزّع الباقُون على مُختلف المهن الأخرى .
ومن خلال الجدول يُمكننا تقديم قراءة أوّليّة لتوزّع التيّار السّلفي بتونس جهويّا ومهنيّا ودراسيّا وقطاعيّا.
فبخُصوص تصنيف أماكن الإنتشار والتوزّع،يُمكن تقسيمُها إلى أربعة أقسام :
- المناطق القويّة : تونس،بنزرت ،مدنين ،سيدي بُوزيد ،قبلّي.
- المناطق المُتوسّطة : سوسة ،المهديّة، القصرين، القيروان ،نابل .
-المناطق الضعيفة نسبيّا : صفاقس ،الكاف ،بن عرُوس ،سليانة،قفصة.
- المناطق الضّعيفة جدّا: المُنستير ،تطاوين،أريانة جندوبة ،قابس،توزر ،باجة ،منّوبة،زعوان.
فبالنّسبة للمناطق القويّة ،إذا إستثنينا تونس العاصمة نظرًا لكثافتها،وتعدّد الرّوافد الفكريّة بها، نجد أنّ بقيّة المناطق إمّا أنّها مُحافظة جدّا أو ليبراليّة جدّا.فبنزرت مثلا هي من الصّنف الثاني ،حيث كان المُستعمر آخر من رحل عنها ،أي بعد حوالي ستّ سنوات من إستقلال البلاد ،ودفع صكّنها ثمنًا باهظًا من عدد الشّهداء في معركة بنزرت ،لكنّها لم تنل منذ الإستقلال حظّها في التّنمية ،وفي إقتسام السّلطة كما يجبُ مُقارنة بالتضحيات التي قدّمتها.بل زاد تهميشها بعد إكتشاف مُؤامرة 1962 ضدّ بورقيبة، والتي تورّط فيها خمسة أشخاص من أصيلي بنزرت.
زد على ذلك أنّ وتيرة التغريب القصوى ،التي شعدتها المنطقة بحُكم إحتكاكها المُباشر بالفرنسيّين ،أنتجت ردة فعل لدى العديد من الشرائح الشبابيّة ،الذين وَجدُوا في خطاب بعض الفضائيّات ملجأ رثحيّا لحالة الإغتراب التي يعيشُونها .
أما قبليّ ومدنين فأهلها مُحافظون ،ويعتبران من المُدُن المعادية نسبيّا لبورقيبة منذ البداية ،إذ كانت اليُوسفيّة منتشرة بهما، ولم تنالا حظّهُما من التنمية ما عدا جزيرة جربة ،التي حاول أثرياء المنطقة إحياءها سياحيّا،كما ان\ذ المناطق الحدُوديّة مثل بن قردان كانت تعيش على التّحارة المُوازية والتّهريب.
أمّا منطقة سيدي بُوزيد ، فهي نمُوذج للمناطق المحرُومة،فهي فلاحيّة بالأساس،والصناعة بها محدُودة جدّا وقبضة السّلطة المحليّة قوية بها بدليل أن تيّارت المُعارضة اليساريّة قليلة بها،بما جعل تُربتها خصبة جدّا لإنتعاشة التيّار السّلفي ،علمًا أنّ مُنظّر التيار السلفي أحمد البُخاري من هذه المنطقة.
بالنّسبة للمناطق المُتوسطة ،فإنّ وُجُود سوسة والمهديّة ونابل ،يُؤشّر على أنّ المناطق الساحليّة التي إنتشرت بها السّياحة أصبحت مُستهدفة أكثر من غيرها لفكر هذا التيّار ،فهي جهات لا تشكُو نقصًا في التّنمية ،بقدر ما تتّسم بوتيرة قصوى في التّغريب occidentalisation فكان الإنتقال المُفاجئ من التوجّهات الفكريّة المُحافظة إلى التوجّه اللّيبرالي،مع تركّز السّياحة والخدمات بقوّة في هذه المناطق ،أنتج حالة من التذبذُب القيمي ،إحتضنتها التيّارات السلفيّة.مع الإشارة إلى أنّ منطقة السّاحل بصفة عامّة كانت أحد المواقع المُهمّة لتيّار الحركة الإسلامية ( النّهضة) في سبعينات وثمانينات ومطلغ تسغينات القرن العشرين.
أمّا القصرين والقيروان ،فإنّهما لم تحظيَا بتنمية إقتصاديّة مُتوازنة،ياللإضافة إلى أنّ القيروان ،العاصمةالتاريخيّة للإسلام في شمال إفريقيا ،شهدت تهميشًا إقتصاديّا في بداية الإستقلال،كما غرفت بمُناهضتها للسيلسة الدينيّة لدولة بورقيبة منذ العشريّة الأولى من الإستقلال،سواء من خلال وُجُود مُكثّف لليُوسفيّين بها،أو من خلال المُظاهرة الكبيرة والحاشدة التي إندلعت سنة 1961 إحتجاجًا على السّياسة الدينيّة للسّلطة ،وقد سقط فيها العديد من القتلى والجَرحى.
بخُصُوص المناطق الضعيفة والضّعيفة جدّا فإنّ وُجُود التيار السلفي بها كان بالأساس إفرازًا لتأثيرات القنوات الفضائيّة،ومُعظمها جهات يغلب عليها الطابع الفلاحي ما عدا 5 مناطق من صل 14 منطقة .
أمّا المُعدّل العُمري فإنّه يستقرّ في الثلاثينات أو ما دثونها،وهو المُعدّل نفسه الذي نجده بالأقطار العربيّة التي يُوجد فيها التيّار السّلفي بكثرة.إلاّ أنّ وُجُود 30 % من عناصر هذا التيّار من فئة 19 إلى 24 سنة مُلفت للإنتباه،ممّا يُؤشّر على غياب الرّقيب الغائلي والمُجتمعي .
ونجد أضعف نسبة هي التي تمسّ فئة 31-37 سنة ،أي نهاية مرحلة الشباب وبداية الإستعداد لمرحلة الكهُولة ،وضعف نسبة هذه الشريحة يدلّ على انّ الإنخراط في التيذار السلفي بتونس يرتكز على فئة لم تبلغ مُستوى النّضج الفكري، ومُعظم أفرادها بعيشون وضعًا من التّهميش الإقتصادي والإجتماعيّ،وهو ما نستشفّه من خلال التوزيغ المهني،حيث يحتلّ العُمّال والتلاميذ والطلبة 70% من مجمُوع عناصر هذا التيّار.فالعُمّال التّابعُون لهذا التيّار هم في الغالب عُمّال وقتيّون ،وبالتّالي ليست لهم مصالح ماديّة يخشُون ضياعها ،بالإضافة إلى مُستواهم الثقافي المحدُود.أمّا التلاميذ والطّلبة فهم بطبيعتهم ،خارج دورة الإنتاج وهم ينتمُون إمّا لعائلات مُحافظة أو إلى شريحة من الطلاّب الذين يُحسّون بإنسداد الآفاق المهنيّة لديهم بحُكم قلّة فُرص التّشغيل.
كلّ هذه العوامل المُتداخلة،داخليّا في الجانب الإقتصادي والإجتماعي والثقافي،وخارجيّا في حُرُوب أفغانستان وفلسطين ساهمت تدريجيّا في وُجود تيّار سلفي جهادي بتُونس./.



0 comments:
Post a Comment